الهولنديين : أبطال غير متوجين

في كرة القدم العالمية الكثير من الفرق التي تعتبر من منتخبات النخبة في اللعبة الأكثر شعبية على مستوى العالم, فلا اظن أن أي مشجع لكرة القدم لا يعرف البرازيل و الأرجنتين و إيطاليا و فرنسا و إنكلترة و ألمانيا وغيرهم من المنتخبات التي حققت عبر الزمن إنجازات ثبتت مكانتها في قلوب المشجعين, طبعا يختلف التشجيع من شخص لآخر و لكن غالبا فإن معظم المشجعين لا بد أن يكون لهم أحد هذه المنتخبات من المفضلين لديه و الطريف أنه في كثير من الأحيان يكون إنتمائهم إلى منتخبهم حتى على حساب منتخبات بلادهم التي لم تقدم لهم سببا حقيقيا للتشجيع, و يتطور الحب و التشجيع ليصل غالبا حتى إلى أندية تلك المنتخبات لتكون انعكاسا لتشجيع منتخب البلد نفسه.


كما أسلفنا في القول فإن الإنجازات عنصر أساسي في اكتساب أي منتخب لجماهيره العريضة, و كلما ازدادت قيمة الإنجاز و ازدادت مرات تحقيقه كلما ازداد عدد مشجعيهم عبر العالم, و لكن يوجد منتخب يتمتع بقاعدة جماهيرية ضخمة للغاية و تعد أكبر بكثير من إنجازاته الفعلية, أعني بقولي هذا منتخب هولندا المعروف بالطواحين البرتقالية, حيث يوجد الكثير جدا من المشجعين الذين يقفون وراء هذا المنتخب في البطولات العالمية و القارية, و للحق فإن أول بروز ملحوظ للكرة الهولندية كان مع بدايات سبعينات القرن الماضي عندما ابتكروا مصطلحا في كرة القدم هو الكرة الشاملة حيث يلعب جميع اللاعبين لمصلحة المنتخب دونما التزام تكتيكي بالمركز الذي يلعبون فيه, فيمكن لك أن ترى المدافع يحرز أهدافا و المهاجم يبعد كرة عن خط المرمى, و كان لهذا المصطلح وقعا رائعا و خاصة أنه قد ارتبط بجيل يعتبر من أفضل المنتخبات التي شاركت بكأس العالم عبر التاريخ, جيل ضم بين لاعبيه أسطورة كروية بحق و هي يوهان كرويف و معه كان كل من رينسينبرينك و رودل و هان و غيرهم و الذين وصلوا لنهائي كأس العالم عام 1974 و خسروا أمام صاحب الأرض منتخب ألمانيا و عادوا ليكرروا فعلتهم نفسها بالتأهل لنهائي كأس العالم عام 1978 و أيضا خسروا أمام الأرجنتين , و برغم تلك الخسارتين فإن منتخب هولندا بدأ بالتحول ليكون أحد القوى الكروية العظمى عبر العالم.


و برغم ابتعادهم قليلا عن التأهل حتى لنهائيات المونديال عامي 1982 و 1986 و لكنهم كانوا يعدون جيلا ضم بين صفوفه تشكيلة من أفضل لاعبي العالم بداية بالحارس فان بروكلين و المدافعين العملاقين رايكارد و كومان و لاعب الوسط المبدع رود غوليت مع المهاجم الأسطوري ماركو فان باستن, كان لأولئك النجوم أثرا في عودة الكرة الشاملة لتجتاح العالم من جديد و خاصة عندما استطاع نجوم منتخب هولندا تحقيق لقب أمم اوروبا عام 1988 و انتشروا ليحتلوا مكانة ممتازة بين نخبة أندية أوروبا مثل أي سي ميلان و برشلونة و غيرهم. و ساهم نجوم هولندا في منح فرقهم الكثير من الألقاب فمثل كان للثلاثي الهولندي في اي سي ميلان الإيطالي و أعني بهم فرانك رايكارد و رود غوليت و فان باستن أثرا كبيرا في بناء أسطورة لناديهم عبر نجاحهم بتحقيق لقب دوري الأبطال لاكثر من مرة كما كان هدف رونالد كويمان هو الذي فاز به برشلونة بدوري الأبطال لأول مرة بعد تغلبهم على سمبدوريا الإيطالي, و كان لهذه الإنجازات تكريسا أكبر و إضافات إلى مسيرة النجوم الهولنديين بشكل زاد كثيرا من عشاق و محبي المنتخب البرتقالي عبر العالم, و برغم ابتعاد المنتخب عن تحقيق الإنجازات إلا أن الأيام كانت تمهد لنادي أياكس ليخرج جيلا عبر أكاديميته الشهيرة, الجيل الذي غزا أندية أوروبا بعد أن نجح أفراده في تحقيق لقب دوري الأبطال عام 1995 و ضم لاعبين تحولوا ليكونوا أساطير في أنديتهم, بدءا بالحارس فان ديرسار و رونالد و فرانك دي بوير و مارك اوفر مارس و باتريك كلويفرت و دينيس بيرغامب و غيرهم, و انتقلوا جميعهم ليصبحوا ركائز أساسية لأنديتهم, كما كان لذلك الجيل أثرا مهما في تحقيق أفضل انجازاتهم بكأس العالم منذ عام 1978 عندما وصلوا بقيادة المدرب المحنك غوس هيدينك إلى نصف نهائي كأس العالم 1998 و لكنهم فشلوا في الفوز ليحتلوا المركز الرابع في تلك البطولة.


و استمرت أجيال الهولنديين بالتوالد جيلا تلو الآخر و استمر النجوم يظهرون واحدا بعد الآخر حيث بدأت أسماء مثل فان نيستلروي و روي مكاي و فان بومل و من ثم لاحقا ويسلي شنايدر و فان درفارت و أريين روبن, حيث قاموا بقيادة منتخبهم للتأهل إلى نهائيات أمم أوروبا عام 2008 و قدموا أداء أسطوريا في الدور الأول توجوه بالفوز على كل من فرنسا و إيطاليا و لكنهم و للمفاجأة الكبيرة سقطوا في الدور الثاني امام روسيا التي كان مدربها هولندي الجنسية أيضا غوس هيدينك هو من يقودهم.


بالإضافة إلى جميع ما ذكرناه سابقا من ناحية اللاعبين لا بد لنا أن نذكر أيضا تميز الهولنديين بقضية هي إخراجهم للعديد من المدربين العظام عبر التاريخ و الذين أثروا و أغنوا تاريخ كرة القدم و قدموا إسهامات لا تزال خالدة في عقول الكثيرين, كانت البداية المميزة مع المدرب العظيم رينوس ميتشيل الذي ابتدع فكرة الكرة الشاملة و كان مدربا لمنتخب هولندة العظيم عام 1974 و استطاع أن يجعل من ذلك المنتخب أسطورة مميزة , و عاد ميتشيل نفسه ليقود الجيل الممتاز الثاني الذي قاد منتخب هولندة للفوز باللقب الوحيد على صعيد المنتخبات عندما قادهم لإحراز لقب أمم أوروبا عام 1988. و غير ميتشل لا بد لنا من تذكر الأسطورة يوهان كرويف الذي قاد نادي برشلونة أوائل تسعينيات القرن الماضي مكونا فريقا رائعا يعد أحد أهم الأجيال بتاريخ برشلونة و قاده للسيطرة على لقب الدوري الإسباني لأربع مواسم متتالية مع قيادته لتحقيق أول لقب على مستوى دوري الأبطال عام 1992, و أيضا كان للويس فان غال دورا بتاريخ نادي برشلونة و هو الذي تبوأ مؤخرا منصب مدرب بايرن ميونخ , و لا ننسى كل من ديك أدفوكات و ليو بينهاكر , و لكن يبقى غوس هيدينك صاحب بصمة تضاهي بصمة العظيم رينوس ميتشيل حيث قاد نادي أيندهوفن عام 1988 للفوز بلقب أبطال أوروبا و من ثم قاد منتخب بلاده هولندا لاحتلال المركز الرابع بكأس العالم عام 1998 ليكرر نفس الإنجاز مع منتخب مغمور نوع ما عالميا و هو المنتخب الكوري الجنوبي عندما استطاع أيضا أن يقودهم للفوز بالمركز الرابع بنهائيات كأس العالم عام 2002 و وصلت محبة و تبجيل الكوريين له إلى أن يصنعون له تمثالا في عاصمتهم سيول عرفانا منهم بالجميل و خاصة انه قد تركهم و عبر المحيط انتقالا لقيادة منتخب استراليا لينجح بقيادته أيضا للدور الثاني بكأس العالم الأخيرة في ألمانيا 2006 و لم يكتفي فذهب إلى بلاد الروس ليقود منتخبهم و ينجح بتشكيل منتخب كان مرعبا بحق في أمم أوروبا عام 2008 و قادهم للفوز في الدور الربع نهائي على منتخب بلاده الأم هولندة ليصل بهم إلى نصف نهائي البطولة قبل ان يخسر أمام المنتخب الإسباني حامل اللقب لاحقا, و كان له مؤخرا بصمة مميزة عندما انتدبه الملياردير الروسي رومان ابراموفيتش مالك نادي تشيلسي لتدريب ناديه اللندني بالإضافة إلى قيادته لمنتخب روسيا و كان له دور كبير في إعادة مسيرة نادي تشيلسي إلى المسار الصحيح عندما جعل منهم منافسا على لقب الدوري الإنكليزي الممتاز و وصل بهم إلى نصف نهائي دوري الأبطال و لكن دون نجاح بإحراز اللقب و استمر في قيادة النادي اللندني إلى أن استطاع ان يحقق معه لقبا أخيرا و هو كأس أنكلترة عام 2009 ليصبح أحد المدربين القلائل الذي استطاعوا ان يبصموا مع كل ناد أو منتخب قام بتدريبه.


أخيرا يبقى للمنتخب الهولندي أو للكرة الهولندية بشكل عام مكانة مميزة و مؤثرة على مستوى العالم سواء كلاعبين أو أندية أو منتخبات و حتى مدربين, مكانة ضمنت أن تكون للكرة الهولندية دوما مركزا مميزا على صعيد العالم كله و سمعة ذهبية تجعل من أي شيء يتعلق بها هدفا و حلما لأي ناد , و لا بد لنا من إشارة مهمة في سياق هذه المقالة إلى أهمية أكاديمية نادي الأياكس على المستوى العالمي من حيث كونها مركزا لتفريخ و إعداد الأجيال المتعاقبة من النجوم الذين يزينون أهم الأندية على المستوى العالمي و يحلمون بقيادة منتخبهم البرتقالي إلى أن يضع اسمه بين الكبار من حيث فوزهم بكأس العالم حيث كانوا من أوائل الفرق العالمية التي تأهلت إلى جنوب أفريقيا, حلما بقي دوما عصيا على الهولنديين برغم ملامستهم له لأكثر من مرة و نبقى نحن المستفيد الأكبر من رؤية المنتخب الهولندي البرتقالي بكامل نجومه و هم يلعبون في البطولات الكبيرة لنضمن أننا سنستمتع حقا بكرة قدم متميزة و غنية بالمواهب و الإمكانات.

بقلم : عاصم الجابر


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

 
%d bloggers like this: