الجولات الإستعدادية مالها و ما عليها

بالرغم من ان معظم البطولات و الدوريات الأوروبية الكبيرة لا تبدأ قبل الأسبوع الأول من شهر أغسطس فإن العمل في هذه الأندية يستمر على قدم و ساق و بدون كلل او ملل منذ اليوم الذي ينتهي فيه الموسم المنصرم, حيث تبدأ التحضيرات و الإجتماعات التي سيتقرر بناء عليها من هم اللاعبون الذين سيتم التعاقد معهم للموسم الجديد و تعتبر هذه الفترة من كل عام فترة مهمة لعشاق هذه الأندية حيث يبحث الجميع عن أخبار تهمهم و تتعلق بنجوم أنديتهم المحبوبين و خاصة من حيث استمرارهم في الفريق او رحيلهم عنه.


و كلما اقترب موعد اغلاق باب الإنتقالات كلما تسارعت التحركات و المفاوضات حرصا على إتمام عمليات التعاقد مع النجوم الجدد, و عادة تكون هذه الفترة من أكثر الفترات التي تنشط فيها وسائل الإعلام بتناقل الأخبار و الشائعات و التأكيدات حول هذه التعاقدات, و غالبا ما يبدأ النادي مسيرته التحضيرية للموسم الجديد دونما أن يكون قد استكمل تعاقداته مع اللاعبين المرجوين.


موضوعنا في هذه المقالة بعيد عن حمى التعاقدات و الإنتقالات برغم انها هي حاليا الشغل الشاغل لمعظم المهتمين بكرة القدم و لكن موضوعنا هنا هو عمليات التحضير للموسم الكروي الجديد, فكما هو منطقي لا بد لأي فريق كان من أن يبدأ تحضيراته للموسم الجديد مبكرا لكي يتمكن اللاعبون و المدرب من الإنصهار و الوصول إلى التوليفة الواحدة المنسجمة التي تنجح بتحقيق الإنتصارات, و تعتبر الفترة من بداية شهر أغسطس فترة حامية مليئة بالمباريات الودية التي يخوضها كل فريق لتحقيق التجانس و الإنسجام بين أعضاء فريقه.


إن هذه المباريات الودية كانت موجودة دوما و لكن مع تطور الأزمان و تقدم اللعبة و وسائل الإتصال تحولت هذه المباريات من كونها مباريات بين فرق البلد الواحد لتصبح بين فرق تفصل بينها مسافات زمنية طويلة للغاية و كل ذلك تحقق بفضل التطور الحاصل لوسائل الإنتقال, و لكن الظاهرة الملفتة في السنوات الأخيرة التي بدأنا نراها و بوضوح هي قيام الفرق بمعسكرات تحضيرية في أماكن بعيدة عن معاقلها الرئيسية فما السبب وراء هذه الخطوة. حيث أصبحنا نرى فرقا مثل ريال مدريد مثلا يقوم بجولته الإستعدادية في قارة آسيا في أواسط و شرق القارة و نرى مانشستر يونايتد يلعب مبارياته الإستعدادية في ماليزيا و أندونيسيا بينما يسافر تشيلسي و الإنتر إلى الولايات المتحدة الأمريكية ليلعبا مبارياتهما التحضيرية هناك.


لمناقشة موضوع مثل هذا لا بد لنا من أن نشير إلى كل من الميزات الإيجابية و السلبية لهذه الظاهرة و لنبدأ بالآثار السلبية التي تتركها مثل هذه المباريات الإستعدادية على فرقها, إن اهم الآثار السلبية لهذه الظاهرة هي المسافات البعيدة التي يقطعها كل ناد في انتقاله إلى مثل تلك الاماكن البعيدة ليلعب مبارياته فبرغم ان معظم الأندية تستخدم وسائل مواصلات متطورة إلا أن المسافات تبقى بعيدة و خاصة عندما يلعب اللاعبون في مناطق بعيدة و مختلفة زمنيا عن بلادهم الأصلية فمثلا ربما يلعب اللاعبون مباراة في دولة ما في وقت هو عادة وقت نومهم و ينامون في وقت هو وقت تدريبهم و إن هذه الإختلاف في الساعة البيولوجية للاعبين يؤثر على مستوياتهم و على أدائهم الفعلي في نفس الوقت الذي يحمل السفر بحد ذاته تعبا يضاف إلى الإختلافات في التوقيت التي يعاني منها اللاعبين و لعل كل هذه الإشكالات تؤثر على أداء اللاعبين و على مستواهم بشكل يزيد من احتمالات تعرضهم لإصابات أكثر من المعتاد.


السلبية الثانية التي تعاني منها الأندية هي أن معظم هذه الدول التي يتوجه إليها كبار القارة الأوروبية هي دول لا تزال تعد من بين الدول النامية في كرة القدم الأمر الذي يعني انه لا يوجد فيها فرق كرة قدم بمعنى الكلمة و أن الفارق الفني في المستوى سيكون شاسعا جدا الأمر الذي لا يقدم أي إضافة فنية إلى الفرق الكبرى فمثلا إن ناديا مثل إي سي ميلان لن يتطور مستواه الفني جراء لعبه مباراة مع نادي ماليزي مستواه أضعف من اندية الهواة في إيطاليا , و بالعكس فإن مثل هذه المباريات تشكل دافعا لتلك الاندية الضعيفة من حيث أنها فرصة قد لا تسمح لهم منتخبات بلادهم باللعب وجها لوجه أمام صفوة نجوم منتخبات العالم, و بالتالي فإن لاعبي هذه الأندية و الفرق يبذلون جهودا مضاعفة لتقديم أفضل مستوياتهم أمام الكبار و غالبا ما تقودهم حماستهم لتقديم الأفضل أمام النجوم بشكل مبالغ فيه مما يؤدي إلى لعبهم ببعض الأحيان بشكل عنيف أو خشن مما يسبب إصابات بين لاعبي الفرق الكبرى, و غالبا ما نرى الفرق الكبيرة و هي تبدأ موسمها الكروي الفعلي منقوصة من لاعبين قد تعرضوا لإصابات خلال فترة الإعداد أثرت على التحاقهم بفرقهم بل و لعلها تسبب في كثير من الأحيان خسائر لفرقهم في حال كان اللاعب المصاب من المؤثرين حيث أنه و في حال غيابه لأكثر من أربع او خمس مباريات قد يشكل خسارة ربما يصعب تعويضها في المباريات اللاحقة للموسم الكروي.


كما أنه و من ضمن السلبيات التي يتعرض لها اللاعبون حصرا هناك أمر و هو ان كثرة السفر إلى أكثر من دولة و اللعب مع أكثر من فريق يؤثر على أدائهم من حيث أنهم يصلون إلى حالة من الإشباع الكروي قد تدفع ببعض منهم إلى الإحساس بالملل من الكرة و الملل من المنافسات مما يجعلهم لا يقدمون مستوياتهم الحقيقية مع انديتهم و هذه الامر السلبي يتعلق خاصة باللاعبين الذين يلعبون كأساسيين مع أنديتهم و منتخبات بلادهم أيضا حيث يقضي امثال هؤلاء اللاعبين طوال موسهم بالسفر و التنقل للعب كرة القدم.


و لكن الأمر لا يحمل بين طياته سلبيات بحتة و حسب بل توجد أيضا إيجابيات مهمة لا بد من ذكرها في هذه المقالة , حيث ان الإيجابية الأولى التي يحققها النادي من هذه الجولات البعيدة هو الهدف الأساسي لها حيث يقوم القائمون عليه بالتسويق لإسم النادي في مناطق بعيدة عن بلدهم الأصلي بحيث تزداد شعبية و سمعة النادي و رقعة محبيه اتساعا الأمر الذي يؤدي بهم إلى تحقيق الربح المادي و المكاسب المادية الأكبر بسبب بيعهم لمنتجات تتعلق بالنادي للمشجعين الجدد, و لنا هنا مثال لابد من ذكره و هو أنه و في أوائل القرن الجديد كان لنادي مانشستر يونايتد الشعبية الأكبر في قارة آسيا و كان لمحبي النادي البريطاني العريق تواجد بكثرة في دول آسيا بدءا بالصين وصولا إلى ماليزيا و أندونيسيا و غيرها و لكن و بعد انتقال النجم المحبوب جدا وقتها ديفيد بيكهام إلى صفوف النادي الملكي ريال مدريد فإن الكثيرين من المشجعين قد تحولوا لتشجيع النادي الإسباني بسبب حبهم و إعجابهم بالنجم الإنكليزي الوسيم و هذه الأمر الذي ساعد ريال مدريد على زيادة رقعة محبيه بشكل كبير و ساعد على تحقيقه لمبيعات هائلة لقمصان لاعبيه و خاصة بيكهام و بذلك كان لتلك الجولة أثرا كبيرا في تغطية جزء من نفقات انتقال بيكهام إلى الريال في ذلك الوقت.


و الإيجابية الثانية أيضا ذات بعد مادي تسويقي و يتعلق بحقوق البث و النقل التلفزيوني التي تزداد كلما ازدادت شعبية النادي و بالتالي تزداد نسبته من العائدات المادية التي يحققها فمثلا في الصين التي تتمتع بكثافة سكانية هائلة الإتساع يتابع العديد من شعبها كرة القدم بشغف و بالتالي فإن نجاح ليفربول مثلا أو الإنتر او البايرن او غيرها في تحقيق مساحة كبيرة في صفوف المشجعين الصينيين لا بد له أن ينعكس إيجابا على زيادة نسبتهم من عائدات النقل التلفزيوني في الصين و الأمر ينسجم ذاته على الدول الاخرى, و الأمر نفسه ينسحب على كرة القدم في البلد الذي يتنمي إليه النادي فمثلا إن جولات المان يونايتد الآسيوية قد ساهمت كثيرا في ازدياد شعبية الكرة الإنكليزية ككل في تلك البلاد و تجلى الأمر واضحا بجموع المشجعين الذي يشجعون و يدعمون المنتخب الإنكليزي , ذلك الدعم الذي ظهر واضحا في مونديال عام 2002 الذي اقيم في القارة الآسيوية حيث نال المنتخب الإنكليزي وقتها نصيب الأسد من تشجيع الجماهير المحايدة التي لا يوجد لها فريق يمثلها في المونديال حيث اتجه معظم أولئك المشاهدوين لتشجيع الإنكليز بشكل واضح و لعل اهم أسبابه كان تلك الجولات التي قام بها نادي المان و غيره من اندية النخبة في الدوري الإنكليزي.


في حصيلة الموضوع نرى أن الأمر مثل كثير من القضايا يحمل في طياته سلبيات و إيجابيات تظهر بحسب الطريقة التي ينظر بها إلى الموضوع و في حين نرى أن المهتمين بالنادي كمؤسسة ربحية يعتبرون تلك الجولات من أهم الخطوات التي يقوم عليها النادي فإن المتابعين للنادي كفريق كرة قدم و حسب يعتبرون أن تلك الجولات ذات آثار سلبية تساهم في تراجع مستوى النادي الذي يشجعونه, و على أية حال فإن لكل من الرأيين جانبا من الصواب و آخر من الخطأ مما يعني ان الوضع سيستمر على نفس المنوال إلى أن تستجد معطيات جديدة قد تغير من وجهات تلك الأندية في جولاتهم الإستعدادية و من يدري لعل بلادنا العربية تنجح في استقطابهم كما تفعل دبي في عطلة نصف الموسم و حينها سيتمتع المشاهد العربي برؤية نجومه الذين يحبهم قريبين منه و يستمتع لاعبنا العربي بخوض مباراة ضد نجوم الصف الأول في العالم و ما علينا إلا أن نتمنى لعل أحلامنا تتحقق و تصبح حقيقية!!!!!

بقلم : عاصم الجابر


One Response to “الجولات الإستعدادية مالها و ما عليها”

  1. شكرك اخي عاصم على هذه المقالة الجميلة ..

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

 
%d bloggers like this: