الاحتراف الحقيقي

أضحت كلمة إحتراف احدى أهم الكلمات في قاموس كرة القدم و خاصة في الفترة الأخيرة و أصبح هذا المصطلح و مشتقاته هو العامل الذي يؤثر و بشكل كبير على الكثير من القضايا المتعلقة بكرة القدم, فمثلا لدى إجراء أي مباراة على مستوى المنتخبات نسمع دوما أن هذا المنتخب جميع لاعبيه محترفين مع أندية أخرى و أيضا عندما نقول عن ناد أنه يتقدم فإن المصطلح الأكثر شيوعا هو دخوله إلى عالم الإحتراف بل و حتى البطولة أو المسابقة التي يتسم المشاركون فيها بأنهم فرق محترفة فإن جماهيريتها لا تقارن بمثيلتها من التي لا تندرج تحت نفس هذا التعبير.


هنا أود التطرق إلى موضوع مهم و هو كيف يتم تعريف الإحتراف و كيف يمكن إطلاق كلمة محترف أو احترافي على أي لاعب أو نادي أو بطولة أو غيرها … للأسف الشديد أن معظم دولنا العربية لا يزال الإحتراف بالنسبة لها هو مجرد أن تدفع مقدمات عقود عالية نوعا ما و تدفع رواتبا شهرية للاعبيها مقابل عدم قيامهم بأي عمل آخر عدا لعب كرة القدم , و في الوقت نفسه فإن جميع الأمور الأخرى المتعلقة بالإحتراف نراها مهملة و بشكل يرثى له , فهل يعقل أن ناديا يدفع للاعبيه مبالغ كبيرة و لكنه للأسف الشديد لا يملك أي منظومة احترافية تؤمن له المردود المادي للنقود التي يدفعها و نراه يعتمد بشكل مباشر على رعاة أو محبين أو في أحسن الأحوال على ما يطلق عليه هيئة أعضاء الشرف؟؟ مؤخرا انشغل العالم كله بصفقين من العيار الثقيل جدا حين تم التعاقد مع كل من كاكا البرازيلي و كريستيانو رونالدو البرتغالي ليلعبا في صفوف ريال مدريد الإسباني و أصبح كل الحديث عن قيمة العقدين و رواتب اللاعبين و غيرها و لكن الأهم في هذا الأمر هو تصريح قال فيه عراب هاتين الصفقتين فلورينتينو بيريز أن المبلغ الذي تم دفعه هو من أموال النادي و ليست من أمواله الخاصة و أن النادي يفترض و بمرور عام على الأكثر أن يسترد مبلغه الذي دفعه في اللاعبين من جراء بيعه لقمصانهم و نسبة الريال من الإعلانات و ازدياد جماهيرية النادي و كثير من الأمور التي تبين أن الأمر قد تمت دراسته بكل تفاصيله مهما صغرت هذه التفاصيل.


هذه هو أحد جوانب الإحتراف و هو أن المال بحد ذاته أو دفع المال بحد ذاته ليس احترافا و لكن الموضوع و بشكل أساسي هو ثقافة و سلوك و إدارة, و طبعا أصبح الحديث عن أن الأندية المحترفة أصبحت تدار بنفس طريقة إدارة الشركات من حيث حساب المصاريف و التكاليف و من ثم المداخيل لينتج عنها ما يرفع أو يخفض من أسهم إدارة هذه الأندية و طبعا و قبل كل شيء لا ننسى تحقيق الإنتصارات و البطولات التي هي معيار الجماهير الوحيد لتفوق ناديهم على غيره.


قرأنا و سمعنا بل و شاهدنا الكثير الكثير عن هذه الأندية التي تعتبر أكبر أندية العالم و كيف يقومون بالإستفادة من أقل التفاصيل المتعلقة باللاعبين و بالمباريات بالشكل الذي يزيد من ربحيتهم دون نسيان تركيزهم على تحقيق البطولات , فإن نادي مانشستر يونايتد مثلا يملك مخرنا يبيع فيه كل ما يتعلق بالنادي مهما كان تافها أو صغيرا و يحقق ربحا من جراء هذا الأمر من قمصان اللاعبين و الكرات و التذكارات و الهدايا , و من ناحية البطولات يعتبر أحد أنجح الاندية في التاريخ الكروي في إنكلترة و أوروبا و العالم حتى و شعبية النادي أصبحت تمتد على مساحة لم يسبق للإمبراطورية التي كانت لا تغيب عنها الشمس ان حققتها, نرى لدى معظم هذه الأندية اهتماما بالتفاصيل يكاد يصل إلى الكمال و من بداية أية خطوة و حتى نهايتها نراهم يتصرفون وفق مسار قد سبق تحديده و يتم تنفيذه بكل دقة و في النهاية غالبا ما تكون النتيجة المرجوة مضمونة . و الأكثر من ذلك كله أن هذه الأندية غالبا ما تكون مشاركة في الكثير من النشاطات الإنسانية و الإجتماعية بل و الثقافية و التي تنعكس إيجابا على الكثير من الناس و حتى على دولهم نفسها و تتحول لتصبح مراكز أشعاع رياضي و اجتماعي و إنساني مرموقة.


للأسف الشدبد إن معظم أنديتنا العربية و التي تطلق على نفسها اسم أندية محترفة لا تعرف من الإحتراف إلا مبالغ تدفع للاعبين و مقدمات عقود و رعاية و إعلان و تنسى الكثير من التفاصيل الحقيقية لمنظومة الإحتراف الشامل المتعلقة بما هو غير المال, و للأسف الشديد فإن انعكاسات احترافنا العربي واضحة للعيان من حيث أننا غالبا ما نكون في الصف الثاني و الثالث و غالبا الأخير لدى مقارنتنا بغيرنا من الدول الأخرى المتقدمة كرويا, هل يستطيع أحد ما أن يقنعني باحتراف تمارسه أنديتنا العربية مبني على أسس علمية مدروسة سبق دراستها و التخطيط لها ؟ أظن أن أن الجواب معروف حيث أن معظم الأندية العربية تدفع الكثير من المال للتعاقد مع لاعبين معروفين و تنسى أن تستثمر في قضايا أخرى مثل العمل على تثقيف لاعبيها و أعضائها بالمفهوم الحقيقي للإحتراف الذي لا يرتبط بأسماء رنانة أو انجازات ضخمة و حسب بل يتعدى ذلك إلى التحول الحقيقي إلى تلك المؤسسة التي تعمل لنفسها و لجماهيرها و طبعا لبلدها.


و لعل احد اهم الأمثلة الماثلة أمام اعين المتابعين و التي تعبر عن الفروقات الإحترافية الكبيرة بين الذهنية العربية للإحتراف مع مثيلتها الغربية هي ما نراه عندما نقارن بين لاعبين اثنين برزا في نفس الفترة و من نفس النادي وهما المصري أحمد حسام ميدو و السويدي زلاتان ابراهيموفيتش, برز كل من اللاعبين في جيل واحد لنادي أياكس أمستردام بقيادة المدرب كويمان و قدم كل منهما مستويات مميزة في فترة لعبهما مع النادي الهولندي و لكن و بنظرة بعيدة عن العواطف التي لا بد ان تجعلنا نتعاطف مع لاعبنا العربي فإن المكان الذي وصل كل منهما إليه هي اكبر دليل على الفروق في نظرة كل منهما إلى الإحتراف, بدا أحمد حسام ميدو بالتركيز على المستوى الشخصي و ابتعد عن الإلتزام بتعليمات مدربه مما جعله بعيدا عن التشكيلة الأساسية في ناديه و انتقل ليلعب مع أكثر من خمس اندية في معظم الدوريات الأوروبية القوية دون أن ينجح في ان يترك بصمة مع اي من الاندية بدءا بسلتافيغو و مرسيليا و روما و توتنهام وميدلسبره وصولا إلى فريقه الحالي ويجان, في نفس الوقت الذي كان ميدو يجول فيه بين هذه الأندية انتقل ابراهيموفيتش ليلعب لأحد أكبر الاندية الاوروبية و هو يوفنتوس الإيطالي ليكون عاملا أساسيا في إحراز نادي السيدة العجوز لقب الدوري مرتين متتاليتين و لكن و بسبب فضحية الكالشيو بولي و التي سحب بموجبها اللقب من اليوفي انتقل ابراهيموفيتش ليلعب مع نادي الإنتر و يكون واحدا من أهم اللاعبين الذين مروا بتاريخ الإنتر في السنوات العشر الأخيرة , و في يومنا هذا نرى أن ابراهيموفيتش يعتبر احد اهم اللاعبين على مستوى العالم في نفس الوقت الذي لا يعتبر فيه أحمد حسام اكثر من لاعب يمتلك موهبة جيدة و لكن لا يعتبر أبدا من بين لاعبي الصفوة حتى على مستوى قارته الأفريقية.


طبعا مثالنا هذا لا نقصد من خلاله أن نسيء لنجم مصر المحبوب و لكن الهدف هو إضاءة بسيطة على أن العقلية الإحترافية السائدة في معظم دولنا العربية تترك أثرا في نفوس لاعبينا العرب معظمهم إن لم نقل جميعهم حيث تبدأ عملية بناء اللاعب المحترف من سن صغيرة يتعلم فيها اللاعب أساسيات الإحتراف بشكل يجعله يستفيد من إيجابيات هذا الموضوع و يتلافى سلبياته مما ينعكس لاحقا على اداءه و مستواه الفني , المطلوب هو إعداد دراسات شاملة لمعظم انديتنا و اتحاداتنا العربية تعمل على فهم حقيقي للإحتراف بكافة تفاصيله و العمل على تطويرها بشكل يتلائم مع عاداتنا إن اختلفت عن عادات الآخرين , دراسة يقوم بها أشخاص يتمتعون بفكر كروي متقدم و نظرة موضوعية و الأهم جرأة في الطرح تجعلهم لا يهابون الإشارة للخطأ بشكل صحيح و صريح و واضح و يعملون على إيجاد أفضل الحلول لإصلاحه , لأن منظومتنا الكروية العربية مليئة بحق بخبرات من الأفضل عالميا و لا تقل بأي حال من الاحوال عن مثيلاتها في الدول المتقدمة كرويا, هو أمل نطرحه في هذه المقالة بشكل دعوة للعمل على هذه الفكرة نتمنى ان يتم تلقفها من قبل أصحاب القرار لنراها تتحول إلى أمر واقع يحقق لكرتنا الإزدهار و المكانة التي نتمناها و نحبها.


الموضوع يطول و تفاصيله كثيرة و متشعبة و لا يتسع لها مقال واحد أو حتى عشر مقالات لأن مفهوم الإحتراف واسع و تفاصيله كثيرة و يجب العمل على توضيحها بمختلف جوانبها بالشكل الذي يؤدي لأن نحقق الفائدة المرجوة فعلا من هذا الأمر و ليس أن تتم ممارسته أو اقتطاعه و اجتزائه بشكل يتحول فيه إلى نقمة و تصبح انعكاساته السلبية اقوى من الإيجابية و يتحول الإحتراف ليغدو عاملا مسيئا لكرتنا العربية أكثر من كونه عاملا داعما و مفيدا لها في سعيها لإحراز مكانة مميزة على خارطة كرة القدم العالمية, قد يقول البعض لي و يعدد لي الكثير من الإنجازات التي حققتها أنديتنا و منتخباتنا العربية و أنا أتفق معه بأهمية هذه الإنجازات و لكن و صدقوني أنه و بمعظمها كانت عبارة عن طفرات آنية غير مسبوقة التخطيط بدليل أنها لا تستمر و يكون منحناها البياني دوما في صعود و هبوط بشكل غير مستقر و هذا ما أقصده حين أقول أن احترافنا العربي منقوص و من هذا المنطلق كانت هذه المقالة التي أتمنى أن تكون بداية لسلسة أستطيع فيها أن أثير موضوعا مهما يهم جميع المهتمين بكرة القدم بحيث نستفيد فيها من آراء الجميع لتكوين منظومتنا الإحترافية الخاصة بنا و التي تدفع بنا إلى الصفوف المتقدمة في الرياضة عامة و كرة القدم بشكل خاص …



بقلم : عاصم الجابر


One Response to “الاحتراف الحقيقي”

  1. الشكر موصول لادارة الموقع كعموم و الى الاخ الفاضل عاصم على موضوعك
    الراقي و الحساس .. اسف لانقطاعي عن الرد على مواضيعك الجميله لانشغالي
    في الاجازه 🙂 و بالنسبة لموضوع الاحتراف سبق و ان تناقشة معك فيه ..
    ولكن اريد ان اعقب على نقطه واحده و اتمنى ان تصل .. الاحتراف هو معنى بسيط لـ الالتزام بالقوانين و اللوائح التي ينص عليها قانون كل لعبه و التقيد فيها مع عدم خرق اي جزئيه منها , وجميع ماسبق ينطبق الاتحاد و النادي وصولا الى اللاعبين و …. الخ بعد ذلك يبدأ نسيج الاحتراف باعطاء بوادر النجاح و ثمار الاحتراف بكل معانيه .. وهذا مانفقده نحن كمجتمع 🙂 ليس فقط للعبة اذن علينا معرفت معنى الاحتراف بكل مصداقيه

    اسف على الاطاله و اتمنى من الله ان يديم عليك الصحه و العافيه ويديم لنا قلمك الشيق 🙂

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

 
%d bloggers like this: